القاضي النعمان المغربي

59

المجالس والمسايرات

لي بالرضى / عنّي يتزايد كلّ وقت ويتأكّد بحمد اللّه عليّ ثناؤه بما هو أهله ، نسأل اللّه إيزاع الشكر وتمام الأمر . ولمّا جرى ذكر ما ذكرناه من تقبيل الأرض بين يدي أولياء اللّه « 1 » كان ينبغي أن نذكر أنفة الجهّال من ذلك وتكفيرهم من فعله وفعل له ، وذهابهم إلى أنّ ذلك كفر باللّه وسجود لمن هو دونه ، تعالى اللّه ونزّه أولياءه عمّا يقول الظالمون الجاهلون . ومن البلاء والمحنة بالجهّال أن تتكلّف إقامة الحجّة على قوم لا يعقلون . فهبهم رأوا ذلك سجودا ، أفما سمعوا قول اللّه عزّ وجلّ يحكي في كتابه عن يعقوب وولده - وهم أنبياء - أنّهم سجدوا ليوسف عليه السلام / إذ « 2 » دخلوا عليه وهو نبيّ « 3 » وأنّ ذلك كان بتأويل رؤياه إذ رأى الشمس والقمر والنّجوم له ساجدين ؟ فهل كفر هؤلاء الأنبياء عندهم بهذا السّجود ؟ على أن لا نقول نحن إنّا نسجد لأحد من دون اللّه ، تعالى اللّه عن ذلك . ولكنّا نقبّل الأرض تعظيما لأولياء اللّه . والسجود حقيقة غير ذلك . ولو سئل هؤلاء الجهّال عن رجل قبّل الأرض في صلاته في حال السجود ولم يضع جبينه عليها كما يفعل الساجدون : هل يكون ذلك سجودا ، لم يكن من قولهم : إنّه سجود ، فكيف من يفعل ذلك لا ينوي به السجود يزعمون أنّه سجد ؟ ولو سجد عندهم على الحقيقة رجل وهو لا ينوي السجود / لم يكن ساجدا ، كما أنّه لو أمسك عن الطعام يوما إلى الليل وهو لا ينوي الصّوم لم يكن صائما . ومع هذا إنّهم يقبّلون أيدي الأئمّة صلوات اللّه عليهم ، وهم يروون عن بعض أسلافهم أنّ قبلة اليد سجدة ، ولا أقلّ من أن تكون على قياس ما ذهبوا إليه ركعة ، لأنّ الفاعل لها يخفض رأسه كما يخفض في الركوع ، فهم على قياس قولهم يركعون لهم من دون اللّه ، تعالى عن ذلك ونزّه أولياءه عن أن يرضوا بذلك أو يجيزوه لأحد من أصحابهم . والذي رووه عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله / مع / بعض من جاءه

--> ( 1 ) قد طرق النعمان هذه الأفكار وأورد هذا الاحتجاج في ك . الهمة ص 105 . ( 2 ) في الأصل : إذا . ( 3 ) « ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال : يا أبت ، هذا تأويل رؤياي من قبل » ( يوسف ، 100 ) . وعبارة « وهو نبي » تقابل قوله « وهم أنبياء » .